الثلاثاء، 19 يوليو 2011

اعترافات محبٍّ للسكر !!


بداية :

أعترف أنّ هذا المقال جاء بعد إلحاحٍ شديد الرغبة من الخلايا البنكرياسية المتدهورة بعد أن أنهكها ذلك ( الحلو ) ، مثلما أنهك حكّام العرب شعوبهم على مدى ربع قرنٍ ... أو يزيد !

وقد جاء الإلحاح في صيغة سؤالٍ كالتالي :

- لقد كتبتً مقالاتٍ دينية ووطنية واجتماعية وتربوية وفكاهية ...

كتبتَ عن الجمعيات الخيرية والجمعيات غير الخيرية !

كتبتَ عن " الجودة " وغير الجودة !

كتبتَ عن بعض الأداواء في المجتمعات .. ووصفتَ لها الدواء ..

فلماذا لا تكتب عن هذا الداء .. الّذي تتنفّسه .. ويسكنك ؟!

ماذا لو شدّد وطأته على شرايينك وأوردتك ، وقال لك بغضب :

لِم لمْ تكتب عنّي ، ولي ؟!!

حرتُ في الجواب ، لكن تبادر إلى ذهني فوراً ما يمكن أن أفعله التماساً لرضاه ..

فقد باتَ في حكم المسلّم به أنّه ولكي تتلافى غضبَ كائنٍ ما .. فما عليك إلا أن تكتب كلمات المديح ، وعبارات الثناء ، فتصبح بين عشيّةٍ وضحاها مرضيّا عنك ، ولو أدّى ذلك إلى غضبِ ضميرك عليك !

الإعتراف سيّد الأدلّة ! :

أعترف يا سادتي أنّ تسع حبّاتٍ ملوّنة ، أتناولها لتهدئته ، لم تكْفِ هذا الجشِع عن التهام أنسجتي العضلية ببطء وتلذّذ شديدين !

تلك الصغيرة البيضاء قبل كلّ وجبة ، وتلك الكبيرة البيضاء بعد كلّ وجبة ، وتلك الملوّنتان مرّة واحدة فقط ، وحتى ( إسبرين ) الأطفال أرضيته به ، رغم أنّه لاعلاقة به من قريبٍ أو بعيد !!

أدمنتُ تماماً هذه ( اللآليء ) التسع ، لدرجةٍ بتّ فيها مقتنعاً أنّه لا لذّة ولا نكهة ولا طعم ولا رائحة لأي شيء يندرج تحت مسمّى ( وجبة ) – حتّى لو لم تكن كذلك - بدونها !

قصّتي مع السكر قصّة عشقٍ أبدية ، بدأت قبل أن يسكنني !

فقد أحبّني منذ النظرة الأولى ! ، وعشقته منذ ( الجسّ ) الأول !!

النظرة الأولى : حينما كان ينظر إليّ وأنا أقوم بمتابعة الوالدة ، وأحقنها بحقن ( الإنسولين ) المضادّة له ، فأقسم من حينها أنّ سيتلبّسني ، وقد برّ بقسمه !

و( الجسّ ) الأول :حينما أصرّتِ الإدارة على أن ينزل جميع منسوبوها إلى البهو الرئيس لإجراء التحليل الدوري للأمراض الحديثة التي استشرتْ في أفراد المجتمع !

وياله من قرار صائب حكيم إكتشف بعده أكثريتنا في ذلك اليوم أنّهم مصابون بأدواء العصر !

ولطالما حلمتُ بان يُقال لي كما كان يُقال للأبطال في المسلسلات الّتي كنتُ أشاهدها فتىً ( ياحلو ياسكّر ) !

وإذا أرادوا امتداح شخصٍ معروفٍ بـ : ( خفّة الدم ) قالوا عنه : ( دمّه خفيف وحلو زيّ السكّر ) !!

وبرغم أن الواقع المُعاش يختلف كليّا عن أحلام المسلسلات ، فلم يقل لي أحدٌ أبداً هذه العبارة حتّى تاريخه ، إلا أنّي حقّقتُ بعضاً من أحلامي بشهادة أجهزة التحليل الإلكترونية الّتي لا تكذب ولا تجامل !!

نصّ الاعتراف :


طبيبي السوداني المتابع ( خفيف الدم بدون سكّر ) ، في مركز صحّي الحيّ السّابق ، استغرب تماماً حينما شرع يشرح لي الأسباب والمسبّبات والعلاج ، فقلتُ له يا دكتور :

- اسمح لي أنا أن أشرح لك !

لم يرفض ولم يوافق ، بل أخذ ينظر إليّ في وجوم ، وبما أنّ السكوت علامة الرّضا – في أي شيء !! ) ، فقد واصلت حديثي عن المحرّمات والمباحات ، والممنوعات والمسموحات ، وما بين هذه وتلك ، وشرحتُ له عن الأركان الثلاثة للعلاج : الحمية ، والأدوية ، والرياضة !

مثار استغرابه لم يكن عن كمّ المعلومات الّتي أخزّنها في ( الهارد دسك ) للذاكرة ! ، بل لعدم تطبيقها ..

سألني عن الرياضة فأخبرته عن الأكيال الأربعة الّتي كنتُ أمشيها يوميا !

حدّثته عن ( النسيم ) ، والنسيم لمن لا يعرفه هو أسوأ حيّ تصدر منه روائح المجاري أكرمكم الله ، وبما أنّ العرب قد كانت تطلق الأسماء على أضدادها تيّمناً – مثل إطلاق " البصير " على " الكفيف " – فقد أطلقت ( الأمانة ) هذا المسمّى على هذا الحيّ !

ولا شكّ أن الرائحة قد ساقتْ أنوفكم ، أو ذاكرة أنوفكم ، إلى بحيرة المسك بجدّة ، ولستم بحاجة إلى شرح سبب إطلاق هذا المسمّى على البحيرة التي شهدتْ الكارثة ، ولا زالت تشهد بتفشّي الفساد الذي فاقتْ رائحته رائحة البحيرة ذاتها !!

نعود إلى النسيم : فقد سمحتْ ألأمانة بالبناء فيه ، بعد أنْ غطّت النهر الرقراق بخرسانة إسمنتية ، ولم تعالج نفس المشكلة ، ثمّ وضعتْ ممشى للنساء الحوامل ، وهذا أيضاً يعيدنا ويعيدكم مرّة أخرى إلى جدّة وممشى الحوامل الشهير بها ، الذي أصبح ممشى لكلّ حامل إطلاقا ، وليس حكراً على حوامل الأجنّة من النساء فقط !

هذا الحيّ النسيمي كنتُ أتنفّس عبقه ثلاث مرّات في الأسبوع على الأقل ، لمدّة تزيد عن 45 دقيقة ، هي المدّة المناسبة لإنهاء الأربعة الأكيال !

لكنني توقفت !

سألني : - لماذا ؟!

- لا أعلم !

- والحمية ؟!

- أي حميّة يا دكتور الله يرضى عليك ؟!

أنت تعلم أنّ نظامنا الغذائي لا يعترف إلا بالكبسة ألوانا وأشكالا ، وإن امتنعت عنها يوماً ، فلن تستطيع بقيّة الأيام !

ألم تسمع تصريحات وزيركم السّابق إبّان ارتفاع سعر الأرز ؟!

ألم تسمع البدائل التي اقترحها ؟!

أمّا وضع المُحليّات في الشاي و ( النيسكافيه ) والحليب ، فقد فشلتْ كلّ محاولات الأصدقاء والأقرباء في إقناعي بشربها دون مُحلّيات ، أو على الأقل بوضع المُحلّيات التي تخلو من السعرات الحرارية !

ألم تسمع تلك الأهزوجة ( والله لولاك يمسُكّر .. ماشربناك يمشاهي ) ؟!

وبرغم أنّ المهدي – صديقي وليس المنتظر – قد أقنع الكثيرين من جلسائه تدريجيا بالامتناع عن وضع السكّر في الشاي و النسكافيه أو المشروب الخاص الذي يشعرك بأنّك تتناول جرعة من التعذيب ، ويسمّيه خلطة الزنجبيل ! ، لكنّه فشل فشلا ذريعاً في إقناعي باقتراحاته القاسية الخالية من السكّر !

وواصلت : أنت يادكتور – لو تذوّقت ( شاي ) العم ناصر الصباحي بـ " الحبق " المديني المميز - فلن ترضى بديلا أبداً بغير شاي ناصر !

- ومن العم ناصر هذا ؟!

- في الحقيقة هو في سنّي تقريباً ، ولكن تقديراً نقول له العمّ ناصر .. وهو زميلنا و ( معزّبنا ) - بالزاي وليس بالذال - في العمل !

- وماذا يصنع بالشاي حتّى تمتدحه لهذه الدرجة ؟

- حقيقة لا أعلم .. لأنّ مطبخه السرّي يقع في الطابق الثالث ولا نشاهده ، لكنّه على أية حال يصنع ( شاياً ) لو علمتْ عنه شركة ( ليبتون ) لاتخذته مستشاراً لديها !

خاصّة إذا عمل من الشاي الأخضر المخبأ في ( دُرج ) أيمن والذي يزعم أنّه مجلوبٌ من إندونيسيا خصّيصا !

أو تلك القارورة التي تحوي الشاي الأخضر الآخر الذي يقول أنّه من متحف شقيقه المهتمّ بالتراث والأشياء القديمة ، ومنها نوادر المشروبات والمأكولات !!

المشكلة أيضا – يا دكتور – في الحمية أنّنا وكشعبٍ سعودي أصيل قد أحببنا ( الفول ) و ( التميس ) لدرجة الإدمان !

فلا يمكن أن يمرّ يوم دون أن يزيّن المائدة طبق الفول المميّز بالزيت أو السمن البلدي الأصيل !

لدرجة أنّ المطاعم الحالية العصرية أصبحت تضع خلطة ( الفول ) في كلّ الأطعمة التي تخطر على بالك ، وتلك التي لا تخطر على بالك !

فالتونة والبيض والبازلاء والبشاميل والمكرونة ... وغيرها أطعمة يدخل الفول كشريك أساسي بها ، وحتّى القلابة أصبحوا يعيدون تركيبها الأصلي الفعّال لتصبح : ( قلابة القلابة ) ، وقد سمعت أنّهم سيخترعون قريباً ( قلابة قلابة القلابة ) !!

.......

دكتور ... دكتور .. دكتور ... هل نمت ؟

- هاه .. عذراً غفوت قليلاً .. لقد جعت ، مارأيك أن نذهب إلى أحد المطاعم التي تعرفها ، كي نتناول الفول ؟

- والدوام ؟

- انتهى الدوام للتو !

- ولكننا وقت الظهيرة .. فهل تريد الفول كغداء ؟

- ولم لا ؟!

- توكلنا على الله ...


و " للسكر بقيّة " !

0 تعليقات الزوار: